قوات الأمن السعودية.. جهود فعالة في مواجهة المخاطر والتحديات
ما من شك في أن نعمة الأمن والأمان هي هبة من الله سبحانه وتعالى لا يعرف قيمتها الحقيقية إلا من يفقدها. وما على من يحتاج إلى دليل على ...
أهمية نعمة الأمن والأمان في حياة الإنسان، إلا أن ينظر إلى ما حل من مأساة بإخوانه في العراق الشقيق، حيث استبيحت حياة المواطن وأهله وعرضه وماله وكل محرماته بين عشية وضحاها. وقد نبهتنا المأساة العراقية إلى حقيقة أن الأمن والأمان هما مفتاح كل شيء في الحياة. فمن دون الأمن، لا يمكن تحقيق التنمية والتقدم والازدهار والاستقرار.
إن ما دفعنا إلى التذكير بنعمة الأمن والأمان هو الإعلان أخيراً عن اكتشاف قوات الأمن السعودية لشبكات إرهابية كان هدفها العبث بأمن الوطن والمواطن، والكشف عن مخططات هذه الشبكات من الاعتداء على مؤسسات الدولة، وتهديد حياة مواطنيها، وتخريب مرافقها ومنشآتها الاقتصادية. ومن يُرِدْ دليلاً على مدى الخطورة التي تمثلها مثل هذه الشبكات ما عليه إلا أن يراجع سلسلة الاعتداءات الدامية التي نفذتها الفئات الضالة فعلاً، أو التي تم إحباطها قبل أو أثناء التنفيذ خلال السنوات الثلاث الماضية. وما عليه كذلك إلا أن يراجع أدبياتهم ومنشوراتهم التي تدعو وتتعهد وتتوعد بصريح العبارة بتدمير مؤسسات الوطن واستباحة دم كل مواطن يمتلك رأياً أو مجرد وجهة نظر لا تتطابق مع ضلالهم الفكري وانحرافهم العقدي؛ فلم يتركوا مؤسسة من مؤسسات الدولة الحيوية إلا وحاولوا مهاجمتها، كما قتلوا كثيراً من النساء والأطفال الآمنين داخل منازلهم.
في ظل هذه الحقيقة، فإنه من الإنصاف القول إن هناك مسؤوليات جساماً ملقاة على عاتق العاملين في الأجهزة الأمنية في المملكة العربية السعودية، ربما تفوق إلى حد كبير المسؤوليات الملقاة على عاتق أقرانهم في كثير من دول العالم. فبالإضافة إلى المهمات والمسؤوليات التقليدية التي تضطلع بها وزارات الداخلية في دول العالم، كمهمات حفظ الأمن والقانون ومكافحة الجريمة، وإدارة المرور وأمن الحدود والدفاع المدني والطوارئ وغيرها من المهمات الروتينية، فإن العبء غير المرئي الذي تضطلع به الأجهزة الأمنية في المملكة لإنجاز الأهداف النبيلة المتمثلة بتحقيق الأمن والاستقرار في كل أنحاء المملكة، وتوفير أسباب الطمأنينة والأمان لأبنائها، ومحاربة كل أنواع الجريمة والرذيلة والفساد، بهدف الحفاظ على سلامة المجتمع السعودي وضمان تقدمه، وتأمين سلامة حجاج بيت الله الحرام وحمايتهم من المخاطر، ليتسنى لهم تأدية مناسكهم وعبادتهم بحرية كاملة وأمان تام، إن هذا العبء يفوق أحمال الآخرين بأشواط بعيدة. فالتحدي الأول الذي يواجه وزارة الداخلية في المملكة مبعثه الطبيعة الجغرافية للمملكة، ويكمن في نواحٍ كثيرة، بدءاً من المساحة المترامية للمملكة، والتي هي أربعة أخماس شبه جزيرة العرب، حيث تُقدَّر بأكثر من 2.250.000 كيلومتر مربع بمعالم جغرافية متباينة، ومدن وقرى متعددة ومتباعدة، فضلاً عن الامتداد الطويل لسواحلها ولحدودها مع دول الجوار الثماني، والتي تُقدَّر بنحو 6760 كيلومتراً، منها 4430 كيلومتراً تمثل حدوداً برية و2320 كيلومتراً من الحدود البحرية. وعلى الرغم من أن التحدي الجغرافي بحد ذاته يؤدي إلى مشكلات كبيرة تتحمل الأجهزة الأمنية وكادرها مهمة التعامل معها، فإنه لا يمثل سوى جزء يسير من صورة التحدي الواسعة. فالمملكة مستهدفة، وبصورة خاصة، من قبل جماعات الجريمة المنظمة الخارجية، وكل من يطلع على جداول الإحصائيات السنوية الرسمية التي تصدرها تلك الأجهزة المتضمنة لأنشطتها وما نتج عنها من جهود موثقة بالأرقام سيدرك مدى عمق المشكلة وحجم التحدي الذي يواجهه منتسبو الوزارة عبر التعامل مع نشاطات المتسللين ومهربي البشر والمخدرات والأسلحة والمواد المتفجرة، والتي بلغت، على سبيل المثال لا الحصر، خلال عام 1426هـ، ما مجموعه 544123 متسللاً، و3742 مهرباً، وتم ضبط ما مجموعه 7.161.411 كيلوغراماً من الحشيش، و44 قنبلة، و15350 إصبع ديناميت، و15456 ربطة سلك مفجر، فضلاً عن مضبوطات أخرى لا يتسع المجال لذكرها.
وإلى جانب كل هذه الجرائم وغيرها من المحظورات الخطيرة التي تقلق أمن واستقرار وسلامة البلاد والعباد، فإن الأجهزة الأمنية تقع على عاتقها مسؤولية التعامل مع مشكلات العمالة الوافدة، وهي عمالة كبيرة الحجم ومتنوعة ومتعددة المصادر.
وتمثل مهمة السيطرة على الأمن أثناء مواسم الحج والعمرة تحدياً فريداً لا يوجد له مثيل في العالم. ومهما تراكم من الخبرة والدراية، فإن إمكان التعامل مع الكتلة البشرية الهائلة التي يتوجب وجودها في مكان محدد وفي وقت معين، والتي تنتمي إلى خلفيات حضارية واجتماعية مختلفة، يبقى تحدياً متجدداً يستوجب تخصيص الموارد الهائلة واستنفار الإمكانات لضمان سلامة الحجيج وأمنهم. هذا إلى جانب التعامل مع المحاولات المتكررة لأطراف خارجية معينة بشأن استغلال مناسك الحج والمشاعر المقدسة لأغراض سياسية، وللعبث بأمن الوطن وسلامة وأمن ضيوف الرحمن التي تُـعَـد مسؤولية أساسية تتحملها الدولة السعودية بصدر رحب.
وفي خضم هذه المسؤوليات الجسام، جاءت النشاطات الإرهابية في المملكة لتضيف تحدياً جديداً تولت الكوادر الأمنية مهمة محاربته وحماية الوطن والمجتمع من آفة تستهدف نعمة الأمن والأمان، وتحول البلاد إلى ساحة حرب يحترق فيها الأخضر واليابس ليدفع الوطن والمواطن ثمناً لا يعلم إلا الله سبحانه وتعالى وحده كلفته ومداه.
وإذا كانت الدولة لم تقصر يوماً تجاه أبناء الوطن من رجال الأمن الذين أخذوا على عاتقهم مهمة توفير الأمن والأمان للجميع، فنحن اليوم أمام واجب أخلاقي وإنساني يستوجب من كل واحد منا الاعتراف بالتضحيات الجسام التي قدمها، ويقدمها كل يوم، هؤلاء الرجال الشجعان الذين يضعون أرواحهم على أكفهم، ليل نهار، من أجل استمرار حفظ الأمن وتحقيق الاستقرار. وللضحايا رجال الداخلية (60 شهيداً و214 مصاباً)، الذين أريقت دماؤهم ظلماً وعدواناً على أيدي أفراد الجماعات الضالة، حقوق على المجتمع، ولعوائلهم وأطفالهم الذين يُتّموا من بعدهم واجب التقدير والاعتراف بالجميل. وعلى الجميع الوقوف في وجه كل من يحاول المساس أو الاستهانة بتضحيات هؤلاء الرجال الذين لولا تضحياتهم لأصبحنا طعاماً سائغاً للعابثين بأمننا وسلامة مجتمعنا من أعداء الداخل والخارج.
إن المتأمل المنصف للجهود التي تقوم بها قطاعات الأمن في المملكة العربية السعودية سيجد أنها جهود موفقة وجبارة لينعم أبناء المملكة والمقيمون على أرضها بنعمة الأمن والأمان، التي هي عماد كل جهد تنموي، وهدف منشود لكل المجتمعات على اختلاف مشاربها، بل هما مطلب الشعوب كافة بلا استثناء.