مكة: موظفون في الصباح.. عمال في المساء
الخصوصية الدينية لها حولتها إلى خلية نحل
مكة المكرمة: محمد دوش
يعتبر أهالي مكة المكرمة ومواطنوها أنفسهم من المحظوظين، فهم في وضع اجتماعي مختلف عن غيرهم من سكان المناطق السعودية الأخرى، نظرا لطبيعة ...
المكان والتراكم الثقافي للواقع الاجتماعي الفريد.
كما أن الخصوصية الدينية لمكة المكرمة التي تحتضن ملايين المسلمين الوافدين إليها في كل عام لأداء مناسك الحج والعمرة حولتها الى خلية نحل على مدار اربع وعشرين ساعة. ولأن اهل مكة ادرى بشعابها، فان فرص العمل متاحة امامهم بشكل اكبر، فهم أكثر من يعرف مداخلها ومخارجها وطريقة عملها، وبالتالي فقد تحول سكانها الى موظفين يؤدون اعمالهم في الصباح وعمالا في مختلف المجالات مساء.
عبد الله براشي، الذي يعمل موظفا في أحد القطاعات الحكومية في مكة، لا يزال يحافظ على الصنعة التي اكتسب أسرارها وورثها عن والده، فهو الممون الوحيد لمحلات بيع الكبدة والتقاطيع والعصبان في مكة المكرمة، وما تقدمه تلك المحلات من الأطعمة والمأكولات الشعبية التي تشتهر بها مدينة مكة المكرمة. ويتركز عمله في الفترة المسائية في المحل العائد لأسرتهم بحي الخنساء في الشمال الشرقي من المسجد الحرام بعد أن يتم جلب كميات السقط من المسلخ الذي تشرف عليه أمانة العاصمة المقدسة ليقوم بعد ذلك بفرز كل نوع منها وتوزيعها على أصحاب المحلات ليلا .
وتشكل مهنة الطوافة والزمازمة رافدا رئيسيا وأساسيا لشريحة كبيرة من الأسر والعائلات في المدينة، إذ يقدر عددها بحوالي أربعين ألفا من المنتسبين لها، وتجد معظم أبناء هاتين الطائفتين من الذكور والإناث خلال فترة الدوام الرسمي لأجهزة الدولة يعملون في وظائفهم المختلفة ويتجهون في المساء لمزاولة مهام أعمالهم في تلك المهن. ولان الأمر لا يتعلق بالحاجة او البطالة، فان هناك اشخاصا يشغلون مكانة اجتماعية جيدة، تجدهم يعملون مع الناس في الاسواق. وهنا يقول الدكتور فهد بن عبد الكريم تركستاني، الأستاذ بقسم الكيمياء الفيزيائية في جامعة أم القرى، إن مهنة والده، وهي صناعة السبح، خولته دخول الجامعات ونيل درجة الدكتوراه في العوامل الكيميائية والفيزيائية المؤثرة في المرجان البحري بعد عشقه لهذا الجانب العملي الذي تعلمه من والده. فهذا الأخير كان يصطحبه معه لورشة عمل السبح العائدة لهم في حي المسفلة الواقع الى الجنوب الغربي من المسجد الحرام أثناء الإجازات الدراسية، منذ كان طالبا في المرحلة الابتدائية ثم المتوسطة وأصبحت جزءا من حياته، ولا تزال تلازمه حتى اليوم، إذ يشعر بالمتعة أثناء توجهه للعمل في الورشة خلال الأوقات المسائية، ليتفنن في إبداع السبح بكافة أشكالها وأنواعها خاصة الثمينة منها.
هذه الطبيعة الاجتماعية للمدينة ليست وليدة الساعة، بل كان أهالي (بكة وأم القرى) منذ العصر الجاهلي قبل الإسلام؛ وعلى رأسهم قادة قريش يتباهون ويتفاخرون بتقديم خدماتهم لقاصديها من سقاية ورفادة وغيرها من الأعمال التي خص بها أبناء عبد المطلب في ذلك الوقت. وقد انعكس هذا الواقع الاجتماعي منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم على من شرفهم الله بسكنى هذه البقعة المباركة فأثروا وتأثروا بالثقافات اللغوية والموروثات الاجتماعية الأخرى حتى أصبحت عبارة (موظفون نهارا وعمال مساء) تطلق على أهالي مكة المكرمة ومواطنيها، وهي صفة أصبح الجميع يتشرف بها.